الجمعة 3 أبريل 2026 | 03:56 م

المرسي لـ " مصر الآن ":عقيدة تشيني أمام ولاية الدم.. من يكسر الآخر؟


قال الباحثة والخبيرة في الشأن الإيراني الدكتورة  شيماء المرسي في تصريح لـ " مصر الآن "أن دوائر صنع القرار الإيرانية تتبني الآن قناعة راسخة بأن ترمب يعيد إحياء عقيدة تشيني في قلب النظام الأمني الأمريكي؛ ذلك النهج المتطرف الذي صاغه نائب الرئيس الأسبق ديك تشيني عقب زلزال 11 سبتمبر 2001. 

وهي عقيدة لا تؤمن بالدفاع، بل تقتات على الاستباقية في سحق التهديدات المحتملة، وتكريس الهيمنة الأحادية، وتعزيز صلاحيات السلطة التنفيذية لتتجاوز القوانين، مرتكزه على القوة العسكرية المطلقة ودمج الأمن القومي بالاستثمارات الأمنية الكبرى.

وإضافت المرسي إن مكمن الصدمة في هذه العقيدة هو أن تشيني لا ينتظر وقوع الهجوم، بل يرى ضرورة ضرب الخصوم استباقا حتى في غياب الدليل القاطع. وهو عين ما تفعله واشنطن وتل أبيب اليوم بفرض حربين على إيران (حرب الـ12يوم وحرب رمضان الدائرة) دون وقائع ملموسة تبرر جدواها، حتى غرق تقدير الموقف الأمريكي في تخبط مخز حول أهداف الحرب ومآلاتها.

وقالت أما الوجه الأكثر إثارة للريبة في هذه العقيدة، فهو تحويل وكالة المخابرات المركزية (CIA) إلى أداة قمعية. إذ تقوم عقيدة تشيني بوأد أي معلومة تخدش التوجه السياسي، وهو ما يتسق تماما مع إقصاء الأصوات المعارضة لمغامرات ترمب الحربية.

ما يعني تحول المنظمة الاستخباراتية إلى تابع ذليل، لا تنير مسار النظام بل تبرر عثراته، ولعل سلسلة العزل المفاجأة في الإدارة الأمريكية، واستبدال القيادات المحترفة بأشخاص (سرسپردگی/ الولاء الأعمى)، يكشف للجميع سر إقالة رئيس أركان القوات البرية، وأعلى مسؤول في الجيش الأمريكي، والتمهيد للإطاحة بوزير الجيش. والهدف الوحيد من ذلك، هو ضمان جهاز مروض لا يجرؤ على إزعاج الرئيس بتقرير أو مواقف منأية له، بل يعمل كبوق دعائي ومنصة تسويغ أخلاقي للقرارات الرئاسية مثلما يفعل وزير الدفاع بيت هيغسيث. وبناء عليه، تصبح المخابرات أداة قمعية تتجاوز وظيفتها جمع المعلومات إلى تنفيذ قرارات الرئيس دون رقابة حقوقية أو قانونية.

وأشارت إلى أنه وعلى غرار ذلك، شهدنا في عهد جورج بوش، تحويل المخابرات إلى مبرر لغزو العراق، درجة أن وقف جورج تينيت خلف الرئيس آنذاك لإعطاء طابع المعلوماتية لقرار سياسي بحت. العلاقة هنا وظيفية بامتياز، فبدلا من أن تكون المخابرات جهازا استشاريا للاستبصار، أصبح جهازا لتبرير السياسات وقمع البدائل، حيث لا يعود رئيس الجهاز شاهدا على الحقيقة، بل مجرد مبرر سياسي.

هذا السلوك الأمريكي يستنسخ، ويا للمفارقة، سلوك جهاز الساواك الإيراني في عهد الشاه؛ ذلك الجهاز الذي كف عن نقل نبض الشارع وأزماته الحقيقية، واكتفى بصناعة تقارير وردية تصور المعارضة الشعبية كحفنة عملاء. هذا الانفصال الاستخباراتي هو ما أسقط الشاه، وهو نفسه ما تفعله تقارير الـ CIA الموجهة من ترمب اليوم. 

ولهذا، فإن تسييس الجهاز الأمني وتحويله إلى بوق دعائي للسلطة لم يمر دون ثمن، فقد نجم عنه فجوة معلوماتية عميقة وتخبط استراتيجي تجلى بوضوح في صدمة ترمب من صمود النظام الإيراني وتماسكه المريب بعد اغتيال علي خامنئي. وبدلا من السقوط السريع الذي وعدت به التقارير المروضة، اندفعت المنطقة والعالم نحو أزمة اقتصادية طاحنة ومخاطر إقليمية غير مسبوقة، نتيجة اتخاذ قرارات كبرى بناء على أوهام استخباراتية لا تقرأ إلا ما يرضي ترمب.

وقالت في المقابل، ردت إيران باستراتيجية إدارة الصدمة داخليا والتصعيد العمودي والأفقي خارجيا، ويُقرا ذلك، بتعمد طهران ترميم شرعيتها بسرعة عبر انتخاب زعيم جديد (مجتبى خامنئي) بوصاية شيعية سياسية منتقمة (ولاية الدم)، وعسكرة المجتمع بحملة (جان فدا/ روحي فداء) لقمع أي احتجاجات داخلية راهنت عليها أمريكا وإسرائيل. 

وبما أن الحرس الثوري أضحى صانع القرار الأوحد، وفرض وصاية عسكرية لا تترك مجالا لأي مظهر احتجاجي إلا وقمعته باعتقالات غير مسبوقة. فالأخطر تطبيقه التصعيد العمودي للرد على عقيدة تشيني، سواء بتوسيع بنك الأهداف ليشمل البنية التحتية الخليجية، وعصب التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الأمريكي، أو باستخدام سلاح مضيق هرمز لفرض سيادة أمنية وتجارية تجبي رسوم عبور قسرية متجاوزة القوانين الدولية. 

وأوضحت نحن إذا، أمام صدام الند بالند، صدام فاجأت به إيران الجميع بصمود ورقة الوكلاء (حزب الله والحوثي) التي أثبتت قدرتها على توسيع جغرافيا الحرب رغم مراهنات التفكيك.

وختاما، لم يعد مسار التهدئة معلقا بأوهام الاجتياح البري التي يداعبها ترمب لانتزاع نصر أحادي، بل هو مرهون بسلوك إيران التي تتقن لعبة الإنكار والمساومة، إذ ترفض الاعتراف بالمفاوضات وتضع بالتوازي شروطا تعجيزية (كالتعويضات المالية ورفع العقوبات بالكامل، واستدامة السيادة على هرمز) بغية إحكام قبضة الحرس الثوري وتوطيد شرعيته داخليا، وتغيير موازين القوة خارجيا. 

والحقيقة الصادمة والتي باتت ظاهرة للعيان، أن نهاية هذه الحرب، ومآل حرب العصابات الإقليمية التي تلوح في الأفق (في حال خاطر ترمب باجتياح بري)، أضحت كلمة الختام فيها بيد الحرس الثوري، لا البيت الأبيض كما يأمل الرئيس الأمريكي.

استطلاع راى

هل تعتقد أن اندلاع صراع عسكري بين واشنطن وطهران سيغير خريطة القوى في الشرق الأوسط للأبد؟

نعم
لا

اسعار اليوم

الذهب عيار 21 7235 جنيه مصري
سعر الدولار 53.65 جنيه مصري
سعر الريال 14.29 جنيه مصري
Slider Image